العيني

17

عمدة القاري

بمنزلة الحيوان . وإنما قلنا : إن العرض له معنيان لأنه لا يخلو إما أن يكون بقراءة أو لا ، فالأول : يسمى عرض قراءة . والثاني : عرض مناولة ، وهو أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب فيعرضه عليه ، فيتأمل الشيخ وهو عارف متيقظ ، ثم يعيده إليه ويقول له : وقفت على ما فيه ، وهو حديثي عن فلان ، فأجزت روايته عني ، ونحوه . وَرَأَى الحَسَنُ والثَّوْرِيُّ ومالكٌ القِرَاءَةَ جائزِةً . أي : رأى الحسن البصري ، وسفيان الثوري ، والإمام مالك القراءة على المحدث جائزة في صحة النقل عنه ، فذكر عنهم أولاً معلقاً ، ثم أسند عنهم على ما يأتي عن قريب ، إن شاء الله تعالى ، وهذا كلام مستأنف غير داخل في الترجمة ، وجوز الكرماني أن يكون داخلاً في الترجمة بتأويل الفعل الماضي بالمصدر ، أي : باب القراءة ورأى الحسن البصري ، وهذا بعيد . واحْتَجَّ بَعْضُهُم فِي القَراءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثِ ضَمامِ بنِ ثَعْلَبَةَ قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم : الله أمَرَكَ أنْ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ ؟ قالَ : ( نَعَمْ ) قال : فَهاذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخبْرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذلِكَ فأَجَازُوهُ . أراد : بالبعض ، هذا ، شيخه الحميدي ، فإنه احتج في جواز القراءة على المحدث في صحة النقل عنه بحديث ضمام بن ثعلبة ، فإنه قدم على النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وسأله عن الإسلام ، ثم رجع إلى قومه فأخبرهم به ، فاسلموا . وقوله : ( آلله أمرك ) بهمزة الاستفهام في لفظة : ( آلله ) ، وارتفاعه بالابتداء . وقوله : ( أمرك ) جملة خبره ، قوله : ( أن نصلي الصلاة ) أي : بأن نصلي ، والباء ، مقدرة فيه ، ونصلي : إما بتاء الخطاب أو بنون الجمع المصدرة على ما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله : ( قال : نعم ) أي قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم الله أمرنا بأن نصلي . قوله : ( فهذه قراءة ) أي : قال البعض الذي احتج في القراءة على العالم بحديث ضمام : هذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرماني : أي قال البعض المحتج ، وهو الحسن والثوري ونحوهما ، وليس كذلك ، فإن المراد بالبعض هو الحميدي كما ذكرنا . فإن قلت : يحتمل أن يكون هذا المحتج بعض المذكورين . أعني : الحسن والثوري ومالكاً . قلت : لا يمنع من ذلك ، ولكن حق العبارة على هذا أن يقال : قال البعض المحتج من هؤلاء المذكورين ، لا كما يقوله الكرماني . قوله : ( قراءة على النبي ) هكذا هو في غالب النسخ بإظهار كلمة : على ، التي للاستعلاء ، وفي بعضها : قراءة النبي ، فإن صحت تكون الإضافة فيه للمفعول ، ويقدر على : فيه . قوله : ( فأجازوه ) ، أي : قبلوا منه ، وليس المراد الإجازة المصطلحة بين أهل الحديث ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى قوم ضمام ، وجوز الكرماني : أن يرجع الضمير إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وصحابته ، وهذا بعيد ، سيما من حيث المرجع . لا يقال : إجازة قومه لا حجة فيه لأنهم كفرة ، لأنا نقول : المراد الإجازة بعد الإسلام ، أو كان فيهم مسلمون يومئذٍ . فإن قلت : قوله : أخبر قومه بذلك ، ليس في الحديث الذي ساقه البخاري ، فكيف يحتج به ؟ قلت : إن لم يقع في هذا الطريق فقد وقع في طريق آخر ، ذكره أحمد وغيره من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن الوليد عن كريب عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : ( بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة ) . . . فذكر الحديث بطوله ، وفي آخره : إن ضماماً قال لقومه عندما رجع إليهم : ( إن الله قد بعث رسولاً ، وأنزل الله عليه كتاباً وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه . قال : فوالله ما أمسى في ذلك اليوم وفي حاضرته رجل ولا امرأة إلاَّ مسلماً ) . واحْتَجَّ مالِكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ على القَوْمِ فيَقُولُونَ : أشهْدَنَا فُلاَنُ ، وَيُقْرَأُ ذَلكَ قِراءَةً عَلَيْهِمْ ، ويُقْرَأُ على المُقْرِىءِ فَيَقُولُ القَارِىءُ : أقْرَأَنِي فُلانٌ . أراد بالصك المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر . قال الجوهري : الصك : الكتاب ، وهو فارسي معرب ، والجمع صكاك وصكوك ، وفي ( العباب ) وهو بالفارسية : صك ، والجمع : أصك وصكاك وصكوك ، وليلة الصك : ليلة البراءة ، وهي ليلة النصف من شعبان ، لأنه يكتب فيها من صكاك الأوراق . قوله : ( يقرأ ) بضم الياء فيه ، وكذلك في : ويقرأ ، الثاني .